محمد بن جرير الطبري
110
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن محمد ، قال : حدثنا ، أو قال : قالوا : إن أدنى أهل الجنة منزلة ، الذي يقال له تمن ، ويذكره أصحابه فيتمنى ، ويذكره أصحابه فيقال له ذلك ومثله معه . قال : قال ابن عمر : ذلك لك وعشرة أمثاله ، وعند الله مزيد . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرنا عمرو بن الحرث أن دراجا أبا السمح ، حدثه عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخدري ، أنه قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل في الجنة ليتكيء سبعين سنة قبل أن يتحول ثم تأتيه امرأته فتضرب على منكبيه ، فينطر وجهه في خدها أصفى من المرآة ، وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب ، فتسلم عليه ، فيرد السلام ، ويسألها من أنت ؟ فتقول : أنا من المزيد وإنه ليكون عليها سبعون ثوبا أدناها مثل النعمان من طوبى فينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك ، وإن عليها من التيجان ، وإن أدنى لؤلؤة فيها لتضيء ما بين المشرق والمغرب " . وقوله : وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ يقول تعالى ذكره : وكثيرا أهلكنا قبل هؤلاء المشركين من قريش من القرون ، هُمْ أَشَدُّ من قريش الذين كذبوا محمدا بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ يقول : فخرقوا البلاد فساروا فيها ، فطافوا وتوغلوا إلى الأقاصي منها ؛ قال امرؤ القيس : لقد نقبت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيمة بالإياب وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ قال : أثروا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ قال : يقول : عملوا في البلاد ذاك النقب . وقوله : هَلْ مِنْ مَحِيصٍ يقول جل ثناؤة : فهل كان لهم بتنقبهم في البلاد من معدل عن الموت ؛ ومنجي من الهلاك إذ جاءهم أمرنا . وأضمرت كان في هذا الموضع ، كما أضمرت في قوله وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ بمعنى : فلم يكن لهم ناصر عند إهلاكهم . وقرأت القراء قوله فَنَقَّبُوا بالتشديد وفتح القاف على وجه الخبر عنهم . وذكر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ ذلك " فنقبوا " بكسر القاف على وجه التهديد والوعيد : أي طوفوا في البلاد ، وترددوا فيها ، فإنكم لن تفوتونا بأنفسكم . وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله مِنْ مَحِيصٍ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ حتى بلغ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ قد حاص الفجرة فوجدوا أمر الله متبعا . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قوله : فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ قال : حاص أعداء الله ، فوجدوا أمر الله لهم مدركا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : هَلْ مِنْ مَحِيصٍ قال : هل من منجي . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ . . . شَهِيدٌ يقول تعالى ذكره : إن في إهلاكنا القرون التي أهلكناها من قبل قريش لَذِكْرى يتذكر بها يعني : لمن كان له عقل من هذه الأمة ، فينتهي عن الفعل الذي كانوا يفعلونه من كفرهم بربهم ، خوفا من أن يحل بهم مثل الذي حل بهم من العذاب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ : أي من هذه الأمة ، يعني بذلك القلب : القلب الحي . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ قال : من كان له قلب من هذه الأمة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ قال : قلب يعقل ما قد سمع من الأحاديث التي ضرب الله بها من عصاه من